مؤسسة دائرة المعارف الفقه الاسلامي

29

معجم فقه الجواهر

على أنّا لم نتحقّق هذه عنهما . ولا فرق بين الماء وغيره ، فلو انعقدت الجماعة في سفينتين فصاعداً ، اعتبر في البعد بينهما ما يعتبر في الأرض . أمّا إذا لم يكثر البعد في العادة بل كان الثابت ضدّه - وهو القرب - فظاهر المشهور بل صريحهم نقلًا وتحصيلًا الصحّة ، وإن كان لا يتخطّى ، بل في الرياض : كاد يكون إجماعاً ، بل ظاهر التذكرة الإجماع عليه ، بل عن إرشاد الجعفريّة : " لا يضرّ البعد المفرط مع اتّصال الصفوف إذا كان بين كلّ صفّين القرب العرفيّ إجماعاً " . ولا يبعد دعوى أنّ كلّ ما عُدّ في عرف المتشرّعة وعادتهم أنّه بعيد بالنظر إلى جماعة الصلاة بطل ، وكلّ ما عُدّ أنّه قريب صحّ ، وربّما يلحق به ما لا يحكم فيه بالقرب والبعد . وفي صحيح زرارة : " وأيّ صفّ . . . بينهم وبين الصفّ الذي يتقدّمهم قدر ما لا يتخطّى ، فليس تلك لهم بصلاة " . ويقوى الظنّ بإرادة الفضيلة والاستحباب منه ، بل والكراهة مع التباعد بما لا يتخطّى ، خصوصاً مع إعراضهم عنه . نعم عن العلّامة أنّه نسبه ( القول بعدم جواز البعد بين الإمام والمأموم بما لا يتخطّى ) إلى الحلبي خاصّة ، كما أنّه في الذكرى نسبه إليه وإلى ابن زهرة خاصّة ، وظاهره انحصار الخلاف فيهما ، وهو كذلك لعدم تحقّقه من غيرهما إذ متأخّرو المتأخّرين كصاحب المدارك والمفاتيح والذخيرة والحدائق ممّن لا يعتدّ بخلافهم ، والكليني والصدوق لم يصرّحا بذلك ، والمرتضى لم يُحكَ عنه إلّا قوله : " ينبغي أن يكون بين كلّ صفّين قدر مسقط الجسد " فإن تجاوز ذلك إلى القدر الذي لا يتخطّى لم يجز . ولعلّه يريد الاستحباب مع كراهة الزائد . لكن ومع ذلك فالأحوط والأفضل مراعاة ما لا يُتخطّى بالخطوة المتعارفة ملاحظاً فيه موقف المصلّي لا مسجده ، وإن كان الأقوى ما عليه المشهور من أنّ المدار على العادة في القرب والبعد بالنسبة للإمام والمأموم وإلى الصفوف بعضها مع بعض ، وإلى أشخاص الصفّ الأوّل بعضهم مع بعض ، لا أنّه يراعى القرب والبعد للإمام بالنسبة إلى سائر المأمومين . ولذا قال المصنّف : [ أمّا إذا توالت الصفوف فلا بأس ] بالبعد الكثير عن الإمام بالغاً ما بلغ ، بلا خلاف أجده ، بل قد تشعر عبارة الذكرى بالإجماع عليه . نعم ينبغي تقييده بما إذا لم تطل الجماعة بحيث يؤدّي إلى التأخّر المخرج عن الاقتداء ، كما قيّده به جماعة ، ولعلّه مستغنى عنه . ثمّ لا فرق عندنا في جميع ما ذكرنا بين الجامع وغيره ، خلافاً للمحكيّ عن الشافعي فجوّز التباعد بثلاثمائة ذراع في الأوّل . كما أنّه لا فرق في هذا الشرط بين ابتداء الصلاة واستدامتها ، فلو حصل حينئذٍ البعد الذي لم يُعفَ عنه في أثناء الصلاة بعد أن لم يكن بطل الاقتداء ووجب الانفراد إن لم نقل بمشروعيّة الانتظار لمن انتهت صلاته حتى يسلّم الإمام فيسلّم معه . نعم له تجديده لو ائتمّوا هؤلاء جديداً بعد انتهاء صلاتهم أو أمكنه المشي بحيث لا يكون فعلًا كثيراً مثلًا إلى محلّ القرب بناءً على جواز تجديد الائتمام في الأثناء ، ومن هنا صرّح في البيان والدروس والروض والمسالك وغيرها بأنّه لو خرجت الصفوف المتخلّلة